استقبل رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد عصر يوم أمس، التاسع من شهر ديسمبر الجاري بقصر قرطاج، السيّد خالد النّوري وزير الداخليّة.
وشدّد رئيس الدّولة في هذا اللّقاء على دور المسؤولين الجهويّين في عمليّات التّنظيف التي لا يجب أن تكون حملة محدودة في الزّمن بل عملا مستمرّا على مدار اليوم، وليس من الطبيعي أن يتدخّل رئيس الجمهوريّة ليطلب ربط بيت بشبكة التطهير أو بالإنارة العموميةّ في عدد من الأحياء أو إصلاح جزء من طريق تصله شكوى حوله، وفي كثير من الأحيان، يتمّ التعلّل بالإجراءات أو بقلّة الإمكانيّات، وهو تعليل غير صحيح فلماذا تغيب هذه التعقيدات وتتوفّر الإمكانيّات بعد دعوة المسؤولين إلى تحمّل مسؤولياتهم، فدورهم هو تذليل العقبات واختصار الإجراءات، فأموال الشّعب تُهدر في الأوراق والمراسلات.
وعلى كلّ مسؤول أن يضع عنوانا وحيدا وهو تونس، ومن أخطأ العنوان أو تشابهت عليه الأسماء فليعلم أنّ الشّباب قادم ولن يُخطئ الهدف كما لن يُخطئ العنوان
استقبل رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد، بعد ظهر يوم أمس الموافق لتاسع ديسمبر الجاري، وزير الداخليّة السيّد خالد النّوري في لقاء خُصّص لبحث عدد من الملفات المتعلّقة بعمل الهياكل الجهويّة والمحليّة، وخاصة ما يتّصل بملفّ النظافة، وربط الأحياء السكنية بالشبكات الأساسية، وتحسين الخدمات اليومية التي تهمّ المواطنين بشكل مباشر. وقد كان هذا اللقاء مناسبة للرئيس لتأكيد مجموعة من المبادئ التي يعتبرها جوهرية في إدارة الشأن العام، ولطرح تساؤلات وانتقادات ترتبط بالأداء الإداري والبيروقراطي الذي يعيق إنجاز المهام الأساسية للدولة.
وخلال حديثه، شدّد رئيس الجمهورية على أنّ عمليات التنظيف والعناية بالفضاءات العامّة ليست حملات ظرفية تُطلق كلّ فترة قصيرة ثم تتوقف، بل هي عمل يومي مستمرّ يجب أن يُنجز على مدار ساعات اليوم في كل الجهات، سواء داخل المدن أو في الأحياء الطرفيّة أو في المناطق الريفية. وأوضح الرئيس أن مفهوم "الحملة" يدلّ عادة على نشاط محدود في الزمان، في حين أنّ النظافة وخدمات التهيئة تعتبر جزءًا من الاستمرارية الطبيعية لعمل البلديات والهياكل الجهوية. وبالتالي، فإن تحويل هذه المهام الأساسية إلى حملات موسمية يدلّ على خلل في المتابعة، وضعف في تحمل المسؤولية، وغياب الرؤية الشاملة التي يجب أن يقود بها المسؤولون الإداريون عملهم اليومي.
وانتقل رئيس الدولة بعد ذلك إلى ملفّ الخدمات الأساسية، مثل ربط المساكن بشبكات التطهير والإنارة العمومية والحصول على إصلاحات بسيطة في بعض الطرقات. وأعرب عن استغرابه من أن يضطر رئيس الجمهورية شخصيًا للتدخل في مسائل يفترض أن تُحلّ على مستوى محلّي أو جهويّ، لأنّها مسائل تتعلّق بالحياة اليومية للمواطنين ولها هياكل مختصة يُفترض أن تتولى معالجتها مباشرة دون الحاجة إلى انتظار تدخل مركزي. وأوضح الرئيس أن وصول شكاوى المواطنين لرئاسة الجمهورية حول مشاكل بسيطة — مثل إصلاح جزء صغير من طريق أو إنارة حيّ أو رفع الفضلات — مؤشر على وجود خلل عميق في أداء الإدارات المحلية التي تتعلل أحيانًا بعدم توفر الإمكانيات أو بتعقّد الإجراءات الإدارية.
وبيّن رئيس الجمهورية أنّ هذا النوع من التبريرات لا يصمد أمام الوقائع، إذ يُلاحظ في الكثير من الأحيان أنّ الإمكانيّات التي قيل إنها غير متوفّرة تصبح فجأة موجودة بمجرد دعوة المسؤولين إلى تحمّل مسؤولياتهم، أو بمجرد توجيه تنبيه أو ملاحظة من الجهات المركزية. وهذا، حسب رأيه، يُظهر أنّ الإشكال الحقيقي ليس نقصاً في الوسائل، بل في الإرادة وفي التنظيم وفي القدرة على اتخاذ القرار. فتعقيد الإجراءات، وإن كان جزءًا من الواقع الإداري، لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل مصالح الناس، ولا إلى غطاء يخفي ضعف المتابعة أو عدم الكفاءة في تسيير الملفات.
وأشار سعيّد إلى أنّ دور المسؤولين الجهويين والمحليين يجب أن يكون أساسًا دورًا إداريًا وتنسيقيًا يسعى إلى تذليل العقبات وتبسيط المسارات الإجرائية، لا إلى تعقيدها. وأضاف أن الأموال العمومية، التي هي أموال الشعب، تُهدر في كثير من الأحيان بسبب كثافة الأوراق والمراسلات التي لا تؤدي إلى نتائج فعلية، بل تعطل الإنجاز وتُدخل الملفات في دوامة بيروقراطية طويلة دون مبرّر. واعتبر الرئيس أن هذه الظاهرة تُعد من أهم أسباب تأخر المشاريع المحلية، ومن أبرز العوامل التي تخلق فجوة بين المواطن والإدارة.
وفي لهجة تحمل الكثير من الحزم، دعا رئيس الدولة إلى ضرورة وضع مصلحة تونس فوق كل اعتبار، معتبرًا أنّ "تونس يجب أن تكون العنوان الوحيد لكل مسؤول". وأوضح أنه لا مجال لخلط الأولويات أو الانشغال بما هو ثانوي على حساب ما هو أساسي، لأنّ المرحلة الحالية تتطلب وضوحًا في التوجهات والتزامًا كاملاً بخدمة المواطنين. وأضاف الرئيس أنّ من "يخطئ العنوان" — في إشارة إلى المسؤولين الذين لا يمنحون الأولوية للمصلحة الوطنية — يجب أن يدرك أنّ الشباب التونسي اليوم أكثر وعيًا وتصميماً، وأنه قادم بقوة نحو المشاركة في الحياة العامة، ولن يُخطئ الهدف أو يتردد في المطالبة بحقوقه ومحاسبة من يسيء إدارة الشأن العام.
كما شدّد على أنّ الدولة لن تتقدم ما لم يُراجع كل مسؤول منهج عمله، ويعيد ترتيب أولوياته، ويُدرك أن موقعه ليس تشريفًا بل تكليفًا، وأن المسؤولية تستوجب المتابعة اليومية، والقدرة على اتخاذ القرار، والجرأة على مواجهة العراقيل. ودعا إلى تجاوز البيروقراطية التقليدية التي أصبحت عائقًا حقيقيًا أمام التنمية المحلية، مكررًا أنّ التعلّل بالإجراءات لم يعد مقبولًا، وأن المرحلة تفرض الابتعاد عن الأساليب القديمة التي أثبتت فشلها.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على ضرورة تطوير أداء الهياكل الجهوية، ووضع آليات متابعة دقيقة تضمن تنفيذ المشاريع والخدمات بصفة دورية ومنتظمة، مع تعزيز الرقابة والمساءلة على مختلف المستويات. وذكّر الرئيس بأن تونس تتطلع إلى إدارة فعّالة تُشعر المواطن بأن الدولة حاضرة بجانبه في كل تفاصيل حياته اليومية، وأن تحقيق ذلك يبدأ من احترام المسؤولين لواجباتهم وتفانيهم في أداء مهامهم.
.jpg)